ميرزا محمد حسن الآشتياني

125

بحر الفوائد في شرح الفرائد ( ط مكتبة المرعشي )

( ثانيها ) المنع من كونه مقيّدا على تقدير تسليمه لما عرفت في مطاوي كلماتنا السابقة وكلام شيخنا الأستاذ العلامة وستعرفه ممّا نذكره عن قريب من أن محلّ البحث في حكم الشبهة المقرونة بالعلم الإجمالي حتى الشبهة المحصورة ما إذا كان جميع أطراف العلم الإجمالي مورد الابتلاء المكلّف بها فعلا بحيث يكون هناك علم إجمالا بتوجّه خطاب منجّز إلى المكلّف وإلا فمجرّد العلم الإجمالي لا يؤثّر في شيء حتى في حرمة المخالفة القطعيّة ما لم يؤثر في العلم بتوجّه الخطاب المنجّز ومن المعلوم أنّه لو سلّم رجوع الشّكوك الابتدائيّة إلى الشبهة الغير المحصوريّة فإنما يسلّم رجوعها إلى ما لا يكون جميع أطرافه مورد الابتلاء لظهور فساد دعوى رجوعها إلى ما يكون جميع أطرافه موارد الابتلاء ولا يظن بأحد ادّعاء ذلك سيّما مثل شيخنا قدس سره ( ثالثها ) أنه على تقدير تسليم رجوع المشكوك البدوية إلى الشبهة الغير المحصورة فإنما يسلّم بالنسبة إلى الشبهات الموضوعيّة لا الأعمّ منها ومن الشبهة الحكميّة وأخبار الترخيص أعمّ من الشبهتين فلا يلزم من إخراج الشبهة الغير المحصورة منها وإبقاؤها تحت أخبار المنع تخصيص أخبار الجواز بالفرد النادر فتأمل إلا أن يقال إن المراد من أخبار الحل والجواز كما هو الظاهر من العبارة هو خصوص ما ورد في الشبهة الموضوعيّة لا ما ورد في الأعمّ من الشبهتين فلا ينفع ولا يفيد وجود الشكّ الابتدائي وكثرته في الشبهات الحكميّة في دفع ما ذكر لكن يتوجّه عليه أنه على ما ذكر ينهدم أساس بعض الإيرادات والأجوبة السّابقة كالجواب بعدم شمول أخبار الحلّ للشبهة المقرونة بالعلم الإجمالي والجواب بأخصيّة أخبار الوقف لأن الأخصيّة غير مفيدة بعد لزوم المحذور من التخصيص كما لا يخفى ( نعم ) لا إشكال في أنه لا يوجب ارتفاع الأخصيّة عن أخبار المنع بخروج الشبهة الابتدائيّة منها مطلقا وعلى كلّ تقدير ولو بملاحظة قيام الإجماع عليه وشمول أخبار الجواز والحلّ للشبهة الابتدائيّة الموضوعيّة كما أنه لا إشكال في انقلاب النسبة على التقدير المذكور على القول بشمول أخبار المنع للشبهة الحكميّة ولو كان خصوص ما اقترن بالعلم الإجمالي كالشكّ في المكلّف به من التباين إلى العموم من وجه فينهدم أساس بعض الأجوبة الأخر أيضا كما هو ظاهر والذي يسهل الأمر في المقام أنه قدس سره لا يقول بهذه المقالة التي ذكرها استدراكا كما يظهر من مجموع كلماته السابقة واللاحقة وإنما ذكرها وجها من غير اعتماد عليه ( ثمّ ) إن ما ذكر كلّه مبنيّ على القول بدلالة الأخبار العامة للتوقّف والاحتياط على المنع ووجوب الاجتناب حتى يجوز التمسّك بها في المقام وأمّا على ما ذكرنا في بيان المراد منها تبعا لما أفاده شيخنا في تحقيق ذلك فلا معنى لهذه الكلمات أصلا لفساد التمسّك بها على هذا كما لا يخفى [ في الأخبار الدّالة بظاهرها على جواز الارتكاب في الشبهة الغير المحصورة ] ( قوله ) الرابع بعض الأخبار الدالّة على أن مجرّد العلم بوجود الحرام إلى آخره ( 1 ) ( أقول ) تقريب الدلالة إن الظاهر من الجواب حصول العلم للسّائل من أخبار المخبر ولو من جهة الاحتفاف بالقرينة الدّالة على صدقه بجعل الميتة في الجبن وتقريره عليه السلام لذلك لكن من المعلوم ضرورة عدم تعلّق إخبار المخبر إلا بالجبن الذي يعمل في مكان مخصوص لعدم تعلّق رؤيته إلّا بذلك فلو أخبر عن غيره كان إخباره مستندا إلى الحدس والقياس لا الإحساس كما هو ظاهر فالجواب مبنيّ على حصول العلم إجمالا بوجود ما لا يجوز شراؤه وأكله في كليّ الجبن فيدلّ على عدم مانعيّة العلم الإجمالي عن الحكم بالحلّيّة وترتيب آثار الحلال على أطراف الشبهة ويؤيّد ما ذكرنا من التقريب بل يدلّ عليه قوله عليه السلام أخيرا في الجواب واللّه إني لأعترض السوق الحديث فإن مثل ذلك القول إنما يقال عرفا في مقام العلم بانتفاء متعلّق الظن وأنه لا يصلح تعلّق الظن به أبدا لا في مقام مجرّد عدم وجوب تحصيل الظن والإعلام بذلك كما هو ظاهر عند من حاول العرفيات وهذا الكلام وإن كان ظاهرا في عمل الإمام عليه السلام بالحكم الظاهري كسائر الناس كما هو ظاهر بعض الأخبار الأخر أيضا مع كونه خلاف ما قضى به الدليل القطعيّ في باب علمهم ولو بالنسبة إلى الموضوعات حيث إن لازمه الوقوع في خلاف الواقع أحيانا المنافي لساحة شأنهم وكونهم خزّان علم اللّه إلّا أن هذا التعبير إنما هو بحسب ما يزعمه كثير من أهل زمانهم من تجويز الجهل عليهم بالنسبة إلى الموضوعات الخارجيّة ككثير من أهالي سائر الأعصار والأزمنة وليس المقام مقام شرح القول في ذلك وقد مضى بعض الكلام ممّا يتعلّق بالمقام في الجزء الأول من التعليقة ولعلّنا نتكلّم فيه أيضا حسبما يساعدنا التوفيق وإن كانت الإحاطة بما لهم من الشأن محالا لغير خالقهم جلّ جلاله ( ثمّ ) إن الرواية عند التأمّل ظاهرة في خصوص الشبهة الغير المحصورة وإن أبيت إلا عن ظهور قوله عليه السلام عقيب الاستفهام الإنكاري في مقام التحديد وإعطاء الضابطة فما علمت أنّ فيه الميتة إلى آخره في العلم التفصيلي وتجويز الارتكاب مع العلم الإجمالي ولو في الشبهة المحصورة فلا بد من صرفه عن ذلك بما دلّ على وجوب الاجتناب فيها هذا حاصل تقريب دلالة الرواية على المدّعى ويتوجّه عليه ما أفاده بقوله إلا أن يدّعى أن المراد إلى آخره الذي يرجع حاصله إلى أن الاستدلال بالرواية على ما ذكر في تقريب الاستدلال مبنيّ على كون الرواية مسوقة سؤالا وجوابا لبيان حكم الجبن الذي يحتمل كونه من أطراف العلم الإجمالي وليس الأمر كذلك بل هي مسوقة لبيان دفع توهّم كون مجرد العلم بجعل الميتة في مكان موجبا للاجتناب عن جبن غيره من الأمكنة الخارجة عن أطراف العلم لمجرد احتمال كونه مثل المكان المعلوم حاله ويدلّ على ذلك مضافا إلى كون هذا المعنى ظاهرا منها الاستفهام الإنكاري فإنه على الأوّل لا معنى للإنكار أصلا بل الاحتياط في محلّه وهذا بخلاف ما لو كان السؤال عن حكم مجرّد الاحتمال قياسا على مورد العلم الإجمالي فإن الإنكار في محلّه ( ثمّ ) على تقدير مساواة هذا الاحتمال في الرواية للاحتمال الأوّل تسقط عن الاستدلال أيضا ( لا يقال ) قوله صلى اللَّه عليه وآله في مقام التفريع فما علمت فيه الميتة الحديث ظاهر في إناطة الجواز والمنع بعدم العلم التفصيلي ووجوده فما لم يعلم تفصيلا كون الجبن الخاصّ مما جعل فيه الميتة جاز أكله ولو كان من أطراف العلم الإجمالي غاية ما هناك قيام الدليل على خروج الشبهة المحصورة من هذه الكليّة المذكورة في مقام إعطاء الضابطة ( لأنّا نقول ) إناطة المنع بالعلم التفصيلي بالحرمة على ما هو ظاهر القضيّة مسلّمة لا شبهة فيها إلا أنها لا تفيد في إثبات المدّعى أصلا من حيث إن قوله تعالى تفريع على إنكار كون العلم الإجمالي سببا للاجتناب عمّا ليس من أطرافه من الشبهات البدوية على ما عرفت من معنى الرواية فيستقيم إناطة المنع فيها بالعلم